الاثنين، 5 سبتمبر، 2011

عالجتنى إسرائيل و أهانتنى السعودية



لم يكد يمر شهر على رفع المتأسلمين و الجماعات السلفية أعلام السعودية فى ميدان التحرير-تلك الدولة التى هى أشد أعداء الثورة المصرية- فى المكان الذى سالت فيه دماء الشهداء حتى قامت هذه الدولة باضطهاد مُنظم تمت ممارسته ضد ضيوف الرحمن المعتمرين المصريين وسط غياب تام للموقف الرسمى المصري.

و لم نسمع أصوات الذين رفعوا أعلام السعودية ينددون بإهانة المعتمرين المصريين و كأنهم فقدوا الانتماء لهذا الوطن و أصبح انتمائهم لمن يمولهم للاستيلاء على حكم مصر لتصبح مصر تابعة للبلد الممول لهم و لتنفيذ مخطتهم بالاستيلاء على مصر.

و من المُخذى أن يكون هذا الموقف الرسمى بعد ثورة 25 يناير هو نفس الموقف الرسمى للنظام السابق من مشاكل المصريين  بالخارج.

و بالصدفة منذ يومان جاء أحد الزبائن المصريين الصيدلية للصديق م.ع. و تطرقا إلى ما حدث للمعتمرين المصريين فى جدة.


فتبادلا التعارف و عرّف هذا الزبون المصري نفسه بأنه محاسب من مدينة القاهرة.

 و حكى عن عمله فى مدينة طابا فى أحد الفنادق المصرية الشهيرة قبل مجيئة إلى السعودية و قال بأن تلك الأيام كانت من أجمل أيام حياته.


و قال متأثراً بما حدث للمعتمرين المصريين فى جدة : للأسف كرامة المصريين أضاعها النظام السابق و لازالت نفس العقلية هى التى تُدير شؤون الوطن .


سأحكى لك يا دكتور على واقعة حدثت لى فى طابا غيرت نظرتى لأشياء كثيرة فى حياتنا.

كان يعمل معى فى الفندق رجل مصري فى العقد فى الخامس من عمره تقاذفته هذه الدنيا من عمل إلى عمل حتى استقر به المطاف معنا فى الفندق.


و كانت ضغوطات الحياة على الرجل شديدة جداً حتى أنك تلاحظ ذلك من أول نظرة إلى وجهه فتجد علامات الشقى و التعب واضحة تفسر نفسها.


و فى أحد الأيام قمت من النوم على صراخ هذا الرجل الطيب و هو يمسك بذراعه الأيسر فأخذناه إلى أقرب مستشفى و لك أن تتخيل أن أقرب مستشفى تبعد 40 كيلومتر عن الفندق.


و شخّص أحدنا الحالة بأنها أزمة قلبية و أنها حدثت لوالده من قبل و بالفعل كان تشخيصه صحيحاً.


و عندما وصلنا المستشفى لم نجد طبيباً بالمستشفى سوى أخصائى عيون و الذى رفض بدوره التدخل فى الحالة لانها ليست تخصصه، طلب أحدنا و قد تدرب على بعض من الإسعافات الأولية أنبوب أكسجين فى محاولة لإنقاذ الرجل فكان الجواب بعدم توفره حالياً فى المستشفى فما كان منّى إلا أن ناولت الطبيب بقبضة يدى من شدة الغضب و حدثت مشكلة و أتى مدير المستشفى و هددّنا بعمل مشكلة و تصعيد الأمر للإعلام و اتصل صاحب الفندق فوجدت كل شئ يتبدل فى لحظات و فُتحت غرفة العناية المركزة و توفرت أنابيب الأكسجين و نجى الرجل بأعجوبة من موتٍ مُحقق.


و بعد 4 شهور عادت الأزمة القلبية مرة أخرى للرجل ففكرت بسرعة هل أذهب به مرة أخرى لتلك المستشفى ؟ ربما يموت الرجل فقد نجى المرة السابقة بستر من عند الله، هل أذهب به إلى مستشفى شرم الشيخ التى تبعد 80 كيلومتر؟ سيكون الرجل قد فقد حياته بلا شك ...


و وجدتنى بدون مُقدمات أرفع سماعة الهاتف و أتصل بالأمن فى طابا و أخبرهم بأننا نريد أن نذهب بالرجل إلى أقرب مستشفى التى تبعد عن الفندق 8 كيلومترات و التى تقع داخل حدود إسرائيل.


و بعد ثوانى جاء الرد السريع من الأمن بالتوجه فوراً إلى المعبر الذى يربط إسرائيل ب"طابا" فاتجهنا فوراً هناك بسيارتنا و عند المعبر وجدنا فى انتظارنا سيارة إسعاف تستقبلنا فاتحة أبوابها و يخرج منها طبيبين و ممرضتين لينتشلوا الرجل من بين أيدينا و يضعوه فى السيارة التى ألقيت فيها نظرة سريعة فأجد غرفة عناية مركزة داخلها فبها أنابيب الأكسجين و غيرها من التجهيزات التى لم أرها إلا فى غرف العناية المركزة فى المستشفيات الكبرى.


و تركنا الرجل عند المعبر و عُدنا لأننا لم يكن معنا تصريح بالدخول إلى إسرائيل و فى اليوم الثانى حصلنا على تصاريح الدخول من الأمن لزيارة الرجل فى المستشفى و ذهبنا لزيارته و عندما رأينا الرجل كان وجهه يُشّع نوراً و كأنه عاد عشر سنوات للوراء و قد زالت عن وجهه علامات الشقى و التعب التى ما كانت لتفارقه طوال فترة معرفتنا به.


و حكى لنا عن كم العناية و الاهتمام الذى لاقاه داخل المستشفى حتى أنه استمتع بالجو هناك و أنه لا يريد أن يتركها.


كان ذلك ما رأيته أمامى فلم يطالبوا الرجل بشيكل و لا جنيه واحد و اهتموا به كأنه مواطن إسرائيلى يتمتع بكافة الحقوق فهزتنى تلك الواقعة و حزنت لأننا لا نلقى واحد على مائة مما فعله الأعداء مع هذا الرجل المسكين فهو مثل ملايين المصريين المساكين الذين يموتون فى الشوارع جوعاً و مرضاً فلا يجدون ثمن رغيف الخبز و لا ثمن الدواء.


و مرت السنوات و تركت الفندق و سافرت إلى السعودية و كان اعتقادى أنها بلد الإسلام، فيها المسجد الحرام و المسجد و النبوى يطبقون كما نسمع الشريعة و بعد شهر من مجيئى اصطدمت بالواقع المر فلا إسلام و لا شرع الله كما نسمع إنما هو شرع الأقوياء فلا كرامة هنا لمصري أمام السعودي حتى و لو ذهبت لشيخ شيوخ القُضاه.


لقد تحدث الرجل بمرارة شديدة، لمن لا يعرف وضع المصريين فى السعودية و دول الخليج فسأذكر لك بعضاً مما يعانيه المصريون.


أول ما يحدث عندما تطأ قدماك بلداً من هذه البلاد يأخد السعودى أو الخليجى صاحب العمل البسبور منك و بذلك فقد دخلت السجن الكبير فلا تستطيع أن تتحرك أو تسافر أو تعود إلى وطنك دون إذن منه.


و السفارة المصرية فى السعودية خاصة هى من أسوأ السفارات المصرية أداءً على مستوى العالم.


هل تعلم أن المصريين فى السعودية ليس لهم حق التملك ؟
هل تعلم أن المصريين لا يستطيعون أن يعيشوا فى السعودية إلا بكفيل سعودي ؟ هو نظام مُخالف للإسلام الذى جاء ليلغى العبودية و الرق لا ليزيد انتشارهما فهذا النظام ليس سوى عبودية مقنعة.

و هناك الاَف المشكلات التى يقع فيها المصريون سنوياً فى هذا البلد دون أن يجدوا مدافعاً واحداً عن حقوقهم بعدما تركتهم سفارة بلادهم فى مواجهة مجتمع عنصري و نظام قضائى أكثر عنصرية ضد ما هو أجنبى خاصة من رعايا الدول التى تتصف سفاراتها بالضعف.



و سأحكى عن مشكلة لصيدلى زميل سافر إلى هذا البلد و بعد عامين من العمل المتواصل واجه خلالهما كل صنوف العذاب و أكل الحقوق مالياً و أدبياً انتهى عقده فطلب بسبوره ليعود إلى وطنه.
و لكنه فوجئ برفض الكفيل السعودى طالباً منه مبلغ 25 ألف ريال و جلس هذا الزميل 5 أشهر دون عمل يذهب تارة إلى شيخ المسجد القريب ثم إلى صديق الكفيل ثم أخيراً إلى السفارة فقابله أحد المسؤولين بالسفارة و قال له بالحرف "خلص نفسك بعيد عننا و أنصحك حاول تحلها ودّى" و لأنه يعرف نظام هذا البلد القضائى و يعرف أنه لن يحصل على حقه فاضطر إلى دفع المبلغ -الذي يعادل ما تقاضاه فى ستة أشهر من العمل المتواصل- بعد 5 أشهر حفيت فيها قدماه من التوسل من أجل العودة إلى وطنه.

و أخيراً أزمة المعتمرين المصريين التى تفنن فيها السعوديون فى مطار جدة فى ممارسة كل أشكال الإرهاب الجسدى و اللفظى ضد المعتمرين المصريين ضيوف الرحمن فتسمع ألفاظ مثل "ورونا هتعملوا ايه يا بتوع التحرير" ، "إنتوا بقه اللى شيلتوا مبارك" ، "انتوا بتوع الثورات".

إن الأوطان هى التى تصنع كرامة مواطنيها و لن تعود كرامتنا إلا باستعادتها أولاً فى الداخل.


و لنتعلم من بعض الجنسيات الأخرى التى لا تُمارس ضدهم العنصرية فى داخل هذا البلد كالسوريين أو الأتراك مثلاً.


إن هذه الدول استطاعت أن تصنع كرامة لمواطنيها عن طريق تطبيق مبدأ سياسى بسيط هو " المعاملة بالمثل" فكيف أسمح لمواطنى هذه الدول التى تمارس العنصرية ضد كل ما هو مصري بالتملك فى مصر بينما لا تُعطى هذه الحقوق للمصريين هناك ؟ كيف أسمح لهم بالسفر إلى مصر و الإقامة فى مصر بينما المصريون ممنوعون من هذا الحق فى تلك البلاد؟


إن سياساتنا الخارجية تحتاج إلى إعادة نظر و العاملون فى وزارة الخارجية يحتاجون إلى إعادة تأهيل ليعرفوا أن وظيفتهم ليست الأكل و الشراب و عقد الصفقات على حساب الوطن فى الخارج بل العمل على حل مشكلات المصريين فى الخارج و عليهم أن يعلموا أن كرامة هذا الوطن هى من كرامة أبنائه.


الحديث عن معاناة المصريين فى بلاد النفط لا ينتهى فهى مأساة ممتدة على مدى عقود من الزمن تراخت فيها سفاراتنا فى هذه البلاد عن أداء عملها من أجل مصالح شخصية ضيقة.

و لابد من وقفة جادة لمنع هذه الممارسات الممنهجة ضد المصريين فى هذه البلاد حفاظاً على كرامة هذا الوطن.


دكتور أيمن


جميع الحقوق محفوظة للمدونة و للكاتب .. يُرجى فى حالة إعادة النشر ذكر اسم المدونة و اسم الكاتب

هناك 12 تعليقًا:

  1. هنالك آفة متأصلة في النفس العربانية وهي نظرة التعالى على الآخر و التغطرس و الاحساس الكاذب بالزهو و التفوق فهم العرب العاربة وغيرهم هم العرب المستعربة.. وهم أولاد الأصول "وولد" القبايل كما يقولون والباقون ليسوا أصلاء و "طرش بحر" كما يتفاخرون دائما ..وهم أبعد ما يكونوا عن روح الدين وعن قيمه السمحاء بعنصريتهم الكريهة وتعاليهم الأجوف ..

    ردحذف
  2. رائع دكتور ايمن مقالك رغم انه فعلا "وجع قلبى "

    ردحذف
  3. على عيني و على راسي كلامك و لا اقلل كذلك من قيمة دور الدولة اطلاقا
    و لكن يجب ايضا دراسة اثار النظام السابق في حياة و تصرفات الشعب المصري
    احترامي و تقديري للجميع و لكن هناك سلوك لدى بعض المغتربين المصريين يعد من اهم اسباب استياء الشعب المستضيف لهم.

    ردحذف
  4. إنها قصة لن تنتهى ......... قصة وطن قتل لكنه لم يمت

    ردحذف
  5. و الله يا دكتور ايمن مش قادرة اقولك الكلام ده احزنى قد ايه .. و الغريب انى لما بسأل حد من الوهابيين بيقوللى ان المصريين هما اللى غالطنين عشان قعدوا اكتر من الفترة المسموحة ,, و اللى يقوللى ان مكانش معاهم تأشيرة .. للاسف هما بيهدموا الاسلام بجهلهم و فاكرين انهم بينصروه ... حاجة صعبة جدا لما عدوك يعاملك زى البنى ادم و صديقك بعاملك زى الكلب ... ربنا ينتقم من اللى عمل فى بلدنا كده و يثبت قلوبنا و يرحمنا من الجهل بقى عشان انا زهقت منهم.

    ردحذف
  6. مدونة رائعة تستحق المتابعة

    ردحذف
  7. @عابر سبيل

    أهلا بيك يا عابر نورتنى و الله :)

    ردحذف
  8. @loza

    أهلا بيكى يا لوزة منورانى و الله
    مش بعرف أكتب غير الحقيقة :)

    ردحذف
  9. @leeno

    أهلا بيكى منورة و الله :)

    ردحذف
  10. @محمود سعد

    أهلا بيك يا محمود منور و الله :)

    ردحذف
  11. @shorouk el abd

    أهلا بيكى يا شروق منورانى و الله :)
    للأسف هى دى الحقيقة :)

    ردحذف
  12. @مارك جمال

    الله يكرمك يا مارك نورتنى و الله :)

    ردحذف

Blogger Widgets