الخميس، 30 يناير 2014

رجل من الخطائين كان أقرب إلي الله من كثير من الطائعين لــ د.مصطفى محمود




افرغ الرجل كأس الخمر الرديئة في جوفه و شرع يبكي و يتمتم نادماَ .. تبت إليك يا رب .. لا أعود إلى شربها أبدا
أعاهدك و استغفرك .. و بعد لحظات كان يملأ كأسا أخرى ليلقيها في جوفه ليعود فيستفغر باكيا مغمغما .. سامحني يا رب .. هذه اخر مرة .. تبت إليك و رجعت إليك و أنبت إليك .. ثم ما تلبث الغفلة أن تسيطر عليه و يعاوده ضعفه فيغالبه فيغلبه فينكب على كأس أخرى .. ثم يعود فيقف تائبا باكيا بالباب .
 

ذلك هو الشيخ مبروك .. و كانوا يسمونه " الشيخ" من باب السخرية بحاله.
ستون سنة و لكن هيكله المضعضع يوحي بأنه جاوز المائة ..
جاء إلى الدنيا لقيطا ملقى على الرصيف في لفة و قضى صباه في ملجأ للأيتام ثم في سجن للأحداث.
لم يدع منكرا إلا قارفه و لا مخاضة أو حال إلا انغرس فيها.
كان يخرج من سجن ليدخل سجنا و يخرج من تخشيبة ليلقى في تخشيبة
و انتهى حاله إلى ان أصبح حارسا في قرافة .. ينام و يأكل و يشرب و يسكن مع الموتى .. يحرس القبور نهارا ثم يعود فينبشها ليلا ليبيع الجثث لطلبة الطب في مقابل جنيهات قليلة يسكر بها.

ذلك هو " الشيخ مبروك " صاحب ملف السوابق الحافل.
و لكنه طراز خاص من المجرمين ..
كان مجرما "غلبانا" دائم البكاء دائم الندم منكسر الوجه إلى الأرض يلازمه الشعور بأنه حشرة و بأنه لا يستحق شعاع الشمس الذي يطلعه الله عليه ولا نسمة الهواء التي يتنفسها و لا اللقمة الجافة التي يأكلها .
و لم يكن يرتكب ذنبا إلا كانت وراءه ضرورة ملحة تدفعه .. و حياته كلها كانت محاولة مستمرة للاستقامة دون جدوي.
فهو يغالب طبعه و طبعه يغلبه.
و يغالب ضعفه و ضعفه يغلبه.
ثم يبكي في النهاية و يشعر بالخزي و الهوان .
ويحاول أن ينسي ذلك الهوان بالشرب فيزداد بالشرب هوانا .

يشعر دائما ان الله يراه .. و لا يدري من أين يأتيه ذلك الشعور .. و لا كيف يفعل ما يفعل أمام عين الله التي لا تنام.
شعوره الدائم الذي لا يفارقه هو الاشمئزاز من نفسه.
و هو شهور ملازم له كالتنفس لا خلاص منه .. و كأنه صرصورغارق في مستنقع من الصمف كلما حاول الخلاص ازداد غرقا .
لا ينجيه من الموت يأسا الا ايمانه بأن ذنوبه مهما عظمت فان عفو الله اعظم.. و إن الله لا تنفعه طاعتنا و لا تضره ذنوبنا .. فهو غني بنفسه عن العالمين .. و هو الذي وسع كل شيء رحمة و علما .. و هو الوهاب الذي لا يحتاج لاحد.
لا يكف عن البكاء.

ولا يكف عن الوقوف بباب الرحمة وإن كان يشعر بأن يديه ملطختان بالآثام.. يعرف الناس تاريخه ويسخرون منه و لكنهم يعطفون عليه .. و البعض يقول له .. ادع لنا يا شيخ مبروك فيقول لهم .. يدعو لكم الشيخ مبروك .. و لكن لا انا شيخ و لا انا مبروك
و يبكي و يدي يده المرتجفة تحت جلبابه ليخرج الزجاجة فيشربها ممزوجة بدموعه ثم يمضي يحث الخطى لائذا بالجدران منكس الوجه إلى الارض ليختفي في ظلمة المقابر.. و هويستغفر و يطلب العفو.

و اليوم كان على الشيخ مبروك ان يفتح حوش الحاج ابراهيم للمرة الخامسة ليلتقي الابن الخامس للحاج.. تلك القصة التي كانتت تتكرر كل عام .. كلما أنجب الحاج ابنا شق له لحدا.
و كان قلب الشيخ مبروك ينفطر حزنا على ذلك الأب الواله الغارق في دموعه.
قال الحاج و هو يبكي : ذلك هو ابني الخامس .. بنتي الوحيده أصابها شل الاطفال من شهور و أصبحت كسيحة تتحرك على كرسي بعجلات .. و بالأمس قال الطبيب .. إنه لا فائدة .. تآكلت جذور الأعصاب و لم يعد ينفع طب و لا دواء .. عن قريب نشق لها لحدا آخرا يا شيخ مبروك .. عن قريب آتي بها إليك محمولة .. يا رب رجمتك.
و ألقى الرجل بنفسه على صدر الشيخ مبروك وراح يبكي و ينهنه كطفل يتيم.

قال الحاج في دموعه:
ادع لها بالشفاء يا شيخ مبروك .. لعل الله يشفيها بدعوتك..
قال الشيخ مبروك و الخزي يملأ نبراته :
أنت اولى بالدعوة يا حاج .. أنت حجيت بيت الله .. و زرت النبي .. أما انا فحجي كان إلي السجون وزياراتى للملاجئ و الاحداث و حظى من تقوى الله هو ما تري .. فكيف أجروؤ ان أرفع وجهى إليه بدعاء.

فعاد الحاج يقول باكيا :
بح صوتي بالدعاء و جاهدت نفسي صلاة و صوما فما استمعت السماء لدعائي .. ادع لها انت يا شيخ مبروك فالله رب قلوب .. بحق الله ادع لها ولاتخيب رجاء اب ملكوم.
فرفع الشيخ مبروك يديه إلي السماء واجما خزيان وتوجه إلي الله بتظرات خجلى وتمتم بدعوى مخضلة بالدمع متهدجة بالانكسار:
يا رب اشفها لا شاف سواك و عافها فلا معاف سواك ..
و بكى الرجلان كما لم يبكيا منذ ولدا .

و في اليوم التالي شهدت القرافة الحاج ابراهيم يبحث عن الشيخ مبروك .. و يفتش عنه كالمجنون و هويقول لكل من يلقاه :
أين الشيخ مبروك ؟ .. أين الشيخ مبروك دلوني على مكانه .. بنتي شفيت من الشلل .. قامت من كرسيها و مشت وحدها و قال الدكتور هي معجزة.
أين الشيخ مبروك .. أين أجد الشيخ مبروك.

و لكن الشيخ مبروك كان قد مات و لقى ربه في فجر ذلك اليوم و دفن حيث لفظ أنفاسه و هو يتمتم باكيا كعادته كلما وضع خده لينام .
رب اغفر لي فمن يغفر الذنوب إلا انت.
رب ان ذنوبي و ان كثرت فانها لن تضرك و طاعاتي و ان كثرت فانها لن تنفعك فانت الغني عن العالمين.
رب مهما عظمت ذنوبي فان عفوك أعظم ومهما كبرت آثامي فان احسانك اكبر.
سبحانك وسعت كل شيء رحمة و علما .. فارحم ضعفي وعجزي وفاقتي و انت القائل:
وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء

رب اقبلني من المنكسرين الخائفين المشفقين الوجلين ..
يا رب انت الرب و انا العبد .. انت الوجود و انا العدم .. سبحانك لا املك من نفسي شيئا و لا املك لنفسي شيئا.
رب اسلمت نفسي اليك .. و اسلمت ضعفي اليك .. و اسلمت حقيقتي اليك .. و اسلمت ارادتى اليك .. و اسلمت روحى اليك .. لا حول و لا قوة الا بك
بك احيا و بك اموت و بك ابعث .. و بك انال المغفرة و بك ادخل الجنة.
و طلع فجر ذلك اليوم مه آخر انفاس الشيخ مبروك يسلمها الي ربه.

و انتهت قصة رجل من الخطائين كان اقرب إلي الله من كثير من الطائعين من اهل الغرور بطاعتهم.
رجل غفر الله له لانه عرف مقامه .. و كانت حياته كلها انحناء و انكسارا و دخولا من الباب الضيق.


"المبروك " من كتاب (نقطة الغليان)  لـ د.مصطفي محمود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Blogger Widgets